المجلة
تأخر التمويل: كيف تخسر البنوك السعودية صفقات المنشآت قبل صدور القرار
تستغرق دورة الاكتتاب اليدوي في تمويل المنشآت الصغيرة من 3 إلى 6 أسابيع في معظم البنوك السعودية. بحلول ذلك الوقت يكون كثير من المتقدمين قد حصلوا على تمويل بديل. التأخر نفسه هو حدث الخسارة.
تستغرق معظم البنوك السعودية ثلاثة إلى ستة أسابيع للبت في طلب تمويل منشأة صغيرة أو متوسطة. وبحلول الوقت الذي تجتمع فيه لجنة الائتمان، يكون كثير من المتقدمين قد حصلوا على تمويل بديل من مصدر آخر، أو أرجأوا قرارات تجارية كانوا بأمسّ الحاجة إلى رأس المال فيها، أو سحبوا ملفاتهم كليًا. التأخر في حد ذاته هو حدث الخسارة: لا قبول القرار ولا رفضه.
ما المدة الفعلية التي يستغرقها مراجعة تمويل المنشآت في السعودية؟
تسير دورة ائتمان المنشآت الصغيرة والمتوسطة يدويًا في معظم البنوك السعودية وفق تسلسل معتاد: يجمع مدير العلاقات المستندات، ويُعدّ المحلل الائتماني مذكرة تقييم، ويراجعها فريق الاكتتاب، تليها لجنة المخاطر، ثم يأتي التوثيق عقب الموافقة. عند كل تحويل للملف تُشكَّل قائمة انتظار، وعند كل قائمة انتظار تمر أيام.
تُشير تحليلات قطاع المصارف في منطقة الخليج إلى أن متوسط المدة الزمنية للبت في طلبات تسهيلات رأس المال العامل يتراوح بين 28 و45 يوم عمل. أما التمويل الأجلي الذي يتجاوز مليون ريال، فغالبًا ما يستلزم جولات إضافية من التوثيق، ما يدفع مدة المراجعة إلى ما يزيد على 60 يومًا.
بالنسبة لصاحب منشأة في جدة تستوجب طلبيتها الموسمية رأس مال لا يحتمل الانتظار ستة أسابيع، فهذا ليس فجوة تمويلية بقدر ما هو باب موصد.
ماذا يحدث أثناء فترة المراجعة؟
الاعتقاد السائد أن المراجعة المطوّلة تحمي جودة المحفظة الائتمانية. لكن الجانب الذي يُغفل النظر عنه هو أن هذه المراجعة تُقصي بصورة منهجية المنشآت الأشد حساسية للوقت: الشركات في مرحلة النمو، والشركات في القطاعات الموسمية، وتلك التي تحتاج قرار تمويل قبل أن تتحرك السوق.
ماذا يجري خلال تلك الأسابيع الثلاثة إلى الستة؟ يتصل صاحب المنشأة بزميل يُعرّفه بشركة تأجير تمويلي. يتفاوض على سلفة مضاربة مع مورد. يتوجه إلى منصة فنتك مرخصة من البنك المركزي السعودي (ساما) تعد بإصدار قرارها في 48 ساعة. لا يُقدّم أيٌّ من هذه البدائل تمويلًا أرخص من تمويل البنك، غير أن السرعة هي المنتج الذي تبيعه فعليًا.
بحلول الوقت الذي يتصل فيه مدير العلاقات لإبلاغ العميل بموافقة اللجنة، يكون التمويل قد وُجد في مكان آخر، والصفقة قد أُغلقت.
ولا ينجو العلاقة المصرفية من هذا النمط؛ فالمنشأة التي شعرت بالتهميش في قرار نمو مصيري لن تعود بتسهيلها القادم أو حساباتها الجارية أو حسابات أصحابها الشخصية إلى المؤسسة ذاتها.
قبل وبعد: مقارنة بين المسارين
الفارق الجوهري بين الاكتتاب اليدوي وعملية الائتمان المعززة بالذكاء الاصطناعي لا يكمن في جودة القرار في المقام الأول. فمذكرات الائتمان في البنوك السعودية شاملة في الغالب. الفارق في السرعة والطاقة الاستيعابية وفيما يُمضي المحلل وقته.
| المرحلة | العملية اليدوية | العملية المعززة بالذكاء الاصطناعي |
|---|---|---|
| جمع المستندات | 5 إلى 10 أيام عمل (متابعة العميل) | 1 إلى 2 يوم (استلام رقمي منظّم) |
| تحليل البيانات المالية | 3 إلى 5 أيام (إدخال يدوي للأرقام) | ساعات (استخراج آلي من التأمينات وهيئة الزكاة والكشوفات) |
| إعداد مذكرة المخاطر | 4 إلى 7 أيام | 1 إلى 2 يوم (المراجعة والتحقق) |
| جدولة لجنة الائتمان | 5 إلى 10 أيام (ضغط مواعيد الاجتماعات) | 1 إلى 3 أيام (ملفات مُصنَّفة مسبقًا) |
| التوثيق عقب الموافقة | 5 إلى 7 أيام | 2 إلى 3 أيام |
| المجموع (رأس المال العامل) | 22 إلى 39 يومًا | 5 إلى 11 يومًا |
لا يختفي المحلل في هذا النموذج، ولا تختفي اللجنة، ولا تتغير سياسة ائتمان البنك. ما يتغير هو الموضع الذي تُطبَّق فيه الأحكام البشرية: حالات الاستثناء وما يستعصي على القواعد، لا إعادة إدخال بيانات موجودة أصلًا في سجلات التأمينات الاجتماعية وإشعارات هيئة الزكاة والضريبة والجمارك وكشوف الحسابات المصرفية.
سياق رؤية 2030 والفجوة التشغيلية
تستهدف رؤية المملكة العربية السعودية 2030 رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي من 20% إلى 35% بحلول عام 2030. وتُصنَّف صعوبة الوصول إلى التمويل المصرفي باستمرار بين أبرز عوائق نمو هذه المنشآت، وفقًا لتقارير هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت).
الفجوة بين توجهات السياسة وعمليات البنوك ليست مسألة شهية للمخاطر. فقد عدّلت كثير من البنوك السعودية معايير ائتمانها بشكل إيجابي لصالح المنشآت الصغيرة والمتوسطة خلال السنوات الثلاث الماضية. الفجوة تشغيلية: لم يواكب نظام المراجعة حجم الطلبات الذي يولّده قطاع في طور النمو.
بنك يوافق على 60% من طلبات تمويل المنشآت الصغيرة ويستغرق خمسة أسابيع في ذلك، ليس في موقع قوة للنمو. بنك يوافق على 55% ويُصدر قرارًا في أسبوع واحد، يمتلك عرضًا مختلفًا تمامًا.
ما تخسره البنوك فيما وراء الصفقة الواحدة
لطلب تمويل منشأة صغيرة يُسحب أو يُهجر بسبب التأخر تكلفة مباشرة محدودة. أما التداعي التراكمي عبر المحفظة فمختلف.
افترض بنكًا سعوديًا يمتلك محفظة نشطة من 4,000 علاقة مع منشآت صغيرة ومتوسطة، وخطًا سنويًا من 3,500 طلب تمويل جديد. إذا انسحب 30% من هؤلاء المتقدمين قبل صدور القرار بسبب المدة الزمنية، فذلك ما يعادل 1,050 صفقة سنويًا لم تصل إلى مرحلة القبول أو الرفض. بمتوسط تسهيل قدره 1.2 مليون ريال، يمثّل ذلك حجم تمويل قدره 1.26 مليار ريال مرّ عبر شبكة مديري العلاقات دون أن يتحوّل إلى عقد.
الرسوم وصافي إيرادات الفوائد على هذا الحجم، حتى بهوامش محافظة، تشكّل ثغرة إيرادية جوهرية. والأصعب في القياس هو التآكل في علاقات العملاء: أصحاب المنشآت الذين انصرفوا وأقاموا علاقات مصرفية جديدة، ولن يعودوا بطلبهم التالي.
كيف تبدو قرارات التمويل السريعة؟
تصف البنوك التي حدّثت عمليات اكتتاب المنشآت الصغيرة نمطًا مختلفًا في يوم عمل مدير العلاقات. يقضي مديرو العلاقات وقتًا أطول أمام عملائهم لأنهم لا يملؤون أيامهم بمتابعة اكتمال المستندات وإعادة بناء النماذج المالية. يركّز المحللون الائتمانيون على الـ20% من الطلبات التي تستلزم حقًا الحكم البشري. تتلقى اللجان ملفات مُصنَّفة مسبقًا مع ملخصات مخاطر جاهزة، فيذهب وقتها إلى القرارات لا إلى جمع المعلومات.
مُدد الصرف التي كانت تمتد إلى 45 يومًا تنضغط إلى أقل من أسبوعين. تُفيد بعض البنوك التي تشغّل منصات متطورة لتمويل المنشآت الصغيرة في منطقة الخليج بتحقيق دورة متسقة مدتها سبعة أيام لتسهيلات رأس المال العامل المعيارية.
لا تتراجع جودة المحفظة الائتمانية في هذا النموذج. وفي حالات موثقة، كشفت عمليات التحقق الآلي من اكتمال المستندات والتحليل المالي التلقائي عن تناقضات أغفلها المراجعون اليدويون، ما أسهم في تحسين جودة الائتمان لا تدهوره.
ما لا يتغير: صلاحية لجنة الائتمان، وشهية البنك للمخاطر، ودور مدير العلاقات باعتباره نقطة التواصل مع العميل. تقع الأتمتة في خطوات الجهة الخلفية بين الطلب واللجنة، لا داخل اللجنة ذاتها.
تكلفة التأخر في التحديث
القطاع المصرفي السعودي تنافسي. منظومة الفنتك المرخصة من ساما التي لم تكن موجودة قبل خمس سنوات باتت اليوم تُنشئ تمويلات منشآت صغيرة بالريال السعودي على نطاق واسع. الحجة التنافسية لتحديث اكتتاب المنشآت الصغيرة كانت نظرية في وقت من الأوقات. أما اليوم فهي تجريبية وموثّقة.
البنوك التي لا تزال تراجع ملفات المنشآت الصغيرة بالطريقة ذاتها التي اتبعتها عام 2020 لا تقف عند نقطة ثابتة. هي تتراجع أمام شريحة عملاء تعلّمت أن لديها خيارات، وتقيس علاقتها المصرفية جزئيًا بالمدة التي طُلب منها الانتظار فيها.
مدة الانتظار هي المنتج. وهذا المنتج يخسر صفقات كان في موضع الفوز بها.
